رواية سلانديرا الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم اسماعيل موسي
#سلانديرا
٣٣
كان كوخ أمارديس في ظاهرِه كوخًا ريفيًّا تقليديًّا، يقع عند طرف أرض المستنقع، تحيط به الأشجار اليابسة والصخور السوداء.
لكنه من الداخل… شيء آخر.
كل شيء فيه يتنفس بطريقة خافتة: الأرض، الجدران، حتى الأدراج.
الهواء أثقل من المعتاد، كأن الأنفاس لا تُطلق بل تُبتلع.
وهناك… وُضعت زافيرا خادمة لا تُسأل، ولا تُرحم.
---
في أولى لياليها، قادتها الساحرة إلى غرفة داخليه بلا نوافذ، سقفها منخفض، وجدرانها تحاكي حركة صدرها في الخوف.
قالت لها أمارديس بصوتٍ ناعمٍ مقلق:
"ستعيشين يومًا واحدًا، مرارًا، حتى تنسي لماذا وُلدت."
في كل فجر، كانت تستيقظ على صفعة لا تدري ممن، تُعطى قطعة خبز متعفن، تُؤمر أن تنظف الأرض بالأوراق اليابسة، ثم تُلقى في زاوية كجثة مؤجلة.
ثم يأتي الليل… لكنه لا يمر.
كلما أغمضت عينيها، عادت للبداية.
يومٌ واحدٌ، عفنٌ، مرٌّ، لا يموت ولا ينتهى، كان الزمن يكرر نفسه بلا اى خدوش
---
وبعد عشرات التكرارات، دخلت أمارديس في إحدى الليالي، وجلست قبالتها:
"ما اسمك؟"
قالت زافيرا بصوت متشقق:
"... زافيرا."
ضحكت الساحرة، ومدّت يدها الباردة إلى جبينها:
"ليس بعد الآن."
همست بتعويذة قديمة، لم تفهمها زافيرا… لكنها أحست بها تُغلق بابًا داخل رأسها.
منذ تلك الليلة، لم تستطع نطق اسمها.
كلما حاولت قول "زافيرا"، تجفّ حلقها، وتُحبس الكلمة في صدرها.
ضحكت امارديس منذ الان اسمك الخادمة الرابعة.
---
ثم، في يوم آخر، جلست زافيرا أمام مرآة.
لم ترَ فيها انعكاسها، بل رأت أكاذيبًا مشوهة:
رأت خاطر وهو يبتسم لإيريديون، رأت والدها يسلمها ليد الأعداء،
رأت شيفان وهو يصافح قاتليها،
وكل صورة تُطعن بها ذاكرتها، وكل مشهد يبدد ثقتها في نفسها.
---
وذات ليلة، قدمت لها الساحرة كوب ماء.
شربته… لكن الماء لم يكن عاديًا.
مع كل رشفة، تسقط في ذكرى… لكنها ليست كما كانت.
خاطر ينادي باسم فتاة غيرها.
شيفان يقول: "لقد خانتنا زافيرا."
صوت في الخلفية يهمس:
"كان يمكن أن تنقذه… لكنها لم تحاول."
---
وأشد الليالي وطأة… كانت تلك التي يأتي فيها الهمس.
حين تنام على الأرض، في الزاوية، تسمع من الظلال صوتًا كصوت خاطر، لكنه بارد:
"أحببتك… فخذلتِني."
"بحثت عني؟ أم أنكِ ارتحتِ من عبئي؟"
وفي كل همسة، كانت زافيرا تجرّ جسدها المرتجف إلى جدار الكوخ، وتحتضن نفسها، وتهمس بشيء لا يخرج…
لأنها لم تعد تعرف إن كانت ما تزال "زافيرا".
---
ورغم كل شيء، في تلك الزاوية، الصغيرة والمكسورة،
كان هناك شيء صغير لم تنجح أمارديس في انتزاعه…
ظل خاطر،
ذلك الطيف الرقيق الذي لم تره، لكنها شعرت به.
أحيانًا، كانت تسمع صوتًا بعيدًا يقول:
"حين تنادينني باسمي… سأكون أمامك."
لكنها لم تكن تقدر على النطق، كان حلقها جاف ومن تناديه ميت
مرت الأيام… أو الأشباه المنهكة للأيام، ولم تعد زافيرا تميّز الفجر من الغروب، ولا الصمت من الصراخ.
كانت أمارديس قد ابتدعت أساليب لا تُشبه أي عقوبة عرفتها الجان.
لم تكن تؤذيها بالسياط ولا بالنار، بل بالفقد البطيء لكل ما يُبقيها على قيد الذات.
---
ذات مره أمرت الساحرة زافيرا أن تعزف على قيثارة قديمة موضوعة في زاوية الكوخ.
لم تكن زافيرا قد عزفت يومًا، لكن أمارديس قالت:
"العزف عندي ليس موسيقى… بل اعتراف.
كل وتر تخطئين فيه، سيمحو ذكرى من ذاكرتك."
عزفت زافيرا، وارتعشت أناملها.
ولكل نغمة مرتعشة، كانت تفقد شيئًا…
ضحكة مع خاطر، رائحة الريح في مملكة الفجر، ملامح أمها.
وعندما أنهت، كانت الموسيقى نشازًا… وكانت روحها أكثر فراغًا.
---
وفي صباح آخر، قادتها أمارديس إلى مرآة من الضباب،
قالت لها:
"انظري جيدًا.
هذه صورتك لو أنك اخترت شيفان، لو لم تخرجي من القصر،
لو أنك فقط... أطعتِ."
رأت زافيرا نفسها تلبس تاج الجان، تجلس جوار شيفان، تتلقى التحية من الشعب.
كانت جميلة… كاملة… محبوبة.
ثم همست الساحرة:
"تلك حياتك في عالم لم تدمريه."
ولكى تتخلص من مقاومتها
حبستها أمارديس في غرفة صغيرة بلا ضوء، لثلاثة أيام، أو أكثر.
كل ما فيها كان جدارًا واحدًا ينبض كأنه قلب، وأصوات خطوات تدور من حولها.
كان يُحكى أن هذه الغرفة لا تؤلم الجسد، بل تجعل الوعي يلتهم نفسه.
خرجت زافيرا منها… ترتجف، عيناها زجاجيتان، لكنها لم تصرخ،وهنا بدأت أمارديس تخاف.
---
ففي كل مرة تحاول تحطيمها، كانت زافيرا تميل، تتشقق، لكنها لا تسقط.
الكوخ كله شعر بذلك.
وفي ليلة باردة، اقتربت الساحرة منها، وجلست قبالتها، وحدّقت في عينيها طويلاً.
"لماذا لا تنكسرين؟"
قالتها بلا سخرية هذه المرة.
همست زافيرا بصوت مبحوح:
"لأن صوتًا لا يتركني… يقول لي إنني لم أنتهِ بعد."
---
فنهضت أمارديس، وصفعتها بقوة، وقالت:
"سنرى كم سيصمد هذا الصوت حين أمنحك أخيرًا… فرصة الهروب."
لكن الهروب في كوخ الساحرة، لم يكن بابًا
في ليلة رمادية، ساد فيها الصمت فوق الأرض الميتة، وقفت أمارديس عند باب الكوخ، تفتح ببطء قفله القديم الذي لم يُفتح يومًا منذ سُجنت زافيرا داخله.
نظرت إلى زافيرا التي كانت جاثية في الزاوية، بعينين متعبتين لا تطلبان شيئًا.
قالت لها بنبرة ناعمة تحمل سمًّا باردًا:
"هذا هو الباب.
وراءه أرض الغابة...
إن استطعتِ الخروج، فأنتِ حرّة."
زافيرا لم تصدق… ولم تفرح.
شعرت بدم بارد يسيل في عروقها،
لكنها نهضت، ببطء، ومشت نحو الضوء الرمادي خارج الكوخ.
---
الخارج كان هادئًا… أكثر من اللازم.
الهواء ساكن، والأشجار ثابتة كأنها لوحات.
بدأت زافيرا تركض…
ركضت حتى ظنت أن الرعب الذي عاشته صار خلفها،
ركضت حتى امتلأ صدرها بشهيق لم تذقه منذ أيام.
لكن بعد وقتٍ…
بدأت تسمع صوته.
خاطر.
يناديها من بين الأشجار، صوته مألوف… حنون، لكنه متألم.
"زافيرا…"
توقفت. نظرت حولها.
ثم رأته.
كان واقفًا بين ظلين، يبتسم.
"أين كنتِ؟" سألها.
ركضت نحوه. لم تشكك، لم تفكر.
كل ما أرادته أن تعانقه.
أن تعتذر. أن تبكي.
لكن قبل أن تلمسه… اختفى.
---
ظهر من جديد، هذه المرة مقيدًا بالسلاسل، يصرخ.
"أنقذيني… أنتِ تركتيني…"
ركضت نحوه، وانهارت عند قدميه.
لكنه لم يكن خاطر.
كان هيكلًا شفافًا، خُلق من وهج السحر… صُنع فقط ليُعذبها.
ضحكت أمارديس من أعلى شجرة، وقالت:
"الهرب الحقيقي… لا يكون بالركض.
بل أن تواجهي هذا:
هل تستحقين الغفران؟
هل كانت محبتك له حقيقية… أم وهْم نجوتِ به من خيانة نفسك؟"
---
ظهرت مئات الصور لخاطر.
في كل صورة، يموت بشكل مختلف…
وفي كل مرة، كانت زافيرا عاجزة عن إنقاذه.
وفي كل مرة، كانت تصرخ:
"أنا آسفة… أنا آسفة…"
لكن لا أحد يسمع.
---
سقطت زافيرا على الأرض، منهكة، مبللة بالعرق والتراب،
السماء انطفأت،
والغابة اختفت.
ووجدت نفسها… عائدة إلى الكوخ.
---
وقفت أمارديس عند الباب المفتوح، تنتظرها، وتبتسم.
قالت لها:
"أرأيتِ؟
حتى عندما أفتح لكِ الباب…
تحملين سجنك معكِ."
تخلى عن حب خاطر حينها فقط سوف تتمكنين من الهرب من الكوخ والغابه وكل شيء
شهقت زافيرا، حبه هو ما يبقينى حيه كيف اتخلى عنه
صرخت الساحره بغضب وانفجر شيطانها
قيدت زافيرا امام باب الكوخ واحضرت سوط من جلد البلناغ
وبكل قوتها راحت تجلد زافيرا كان سوط البلناغ يتفاعل مع الروح الإنسانيه التى يجلدها وكلما وجد مقاومه أصبح أقوى واشد
تمزقت ملابس زافيرا وتقطع جلد ظهرها وهى تبكى وتصرخ وسالت الدماء من جسدها
من سينقذك منى؟
تخليك عن حب خاطر هو نجاتك
صرخت زافيرا لو كان خاطر هنا، ما استطعتى ان تفعلى ذلك
ضحكت امارديس بسخريه ناديه اذا ربما يإتى من قبره وينقذك
صوبت زافيرا وجهها ناحيت القمر وقالت خاطر
عد إلى انا احتاجك
خاطر انا انادى بأسمك