رواية وش تالت الفصل الثاني 2 بقلم اسماعيل موسي
#2
#وش_تالت
بعد أيام قليلة، كانت مروة في المطبخ، تقطع الخضار بعناية، عندما دوّى صوت الطرق على الباب. تجمدت يدها فوق لوح التقطيع، وحدقت إلى الباب للحظات، ثم مسحت يديها سريعًا بالمئزر وسارت بتوجس.
"مين؟" سألت، محاولة إخفاء ارتباكها.
"أنا أسامة، يا مدام مروة."
تجمدت أنفاسها.
"مدحت مش هنا، استاذ أسامة." قالتها بحدة، متعمدة إنهاء الحديث قبل أن يبدأ.
"أنا عارف، بس كنت عايز أتكلم مع حضرتك دقيقة واحدة، مش هطوّل."
القلق تسلل إلى صدرها. لماذا جاء بعدما أوضح له مدحت أنه غير مرحب به هنا؟ ولماذا يصر على الحديث معها تحديدًا؟
"مش وقته، استاذ أسامة. أي حاجة تخص مدحت كلمه هو فيها." قالتها بصرامة، وهي تحاول إبقاء صوتها ثابتًا.
لكن الرجل لم يبتعد بسهولة. "أنا آسف لو كنت بتقل عليكي، بس فيه موضوع مهم لازم تتأكدي منه بنفسك."
نبضات قلبها تسارعت، لكنها تماسكت. "أنا مش هفتح الباب، ولو سمحت بلاش تحرجني وتحط نفسك في موقف مش لطيف."
ساد صمت قصير، ثم سمعت خطواته تبتعد. لم تخرج لتتأكد من رحيله، بل ظلت واقفة خلف الباب، تشعر بأن الأمور لم تنتهِ بعد.
في المساء، عندما عاد مدحت، كان واضحًا أنه مرهق، لكنها لم تستطع تجاهل الأمر.
"أسامة رجع تاني." قالت بهدوء، وهي تراقب تعابير وجهه.
رفع رأسه ببطء، وكأن كلمتها ضربته بسوط. "إيه؟"
"خبط على الباب وطلب يتكلم معايا."
نهض مدحت على الفور، الغضب يشع من عينيه. "أنا كنت فاكر إنه فهم، بس واضح إن الموضوع أكبر من كده."
"أنا مش مرتاحة يا مدحت." همست مروة، وشيء ثقيل يجثم على صدرها.
"ولا أنا." قالها مدحت، وهو يتناول هاتفه، ثم توقف لحظة قبل أن يتنهد ويضعه جانبًا. "هشوفه بنفسي."
لكن مروة شعرت أن الأمر قد تجاوز مجرد لقاء عابر أو سوء تفاهم... كان هناك شيء غريب في الأفق، شيء لم تفهمه بعد، لكنه يقترب.
في اليوم التالي، لم ينتظر مدحت أن يتصل بأسامة، بل توجه إلى المقهى التي اعتاد أن يجلس فيها، محاولًا أن يستشف منه سبب إصراره الغريب على زيارة المنزل.
عندما وصله، وجده جالسًا في الركن المعتاد، ينفث الدخان ببطء بينما يراقب المارة بنظرة جامدة. لم يكن في وجهه ذلك الود الذي اعتاد عليه، بدا وكأنه يحمل أمرًا ما لكنه لا يعرف كيف يبوح به.
اقترب منه مدحت وسحب كرسيًا، جلس دون مقدمات وقال بصوت منخفض لكنه حاد: "أسامة، أنا مش فاهم، هو فيه إيه؟"
رفع أسامة عينيه إليه، ثم ارتشف من كوب الشاي أمامه قبل أن يرد بهدوء: "مدحت، أنا مش جاي أضايقك ولا أضايق مراتك، بس فيه حاجة كنت مضطر أقولها لها بنفسي."
قطب مدحت حاجبيه. "إيه الحاجة اللي كنت عايز تقولها لمروة بالذات؟"
تنهد أسامة ببطء، ثم قال بصوت خافت: "أنت متأكد إن كل حاجة تمام عندك في البيت؟"
ارتفع حاجبا مدحت في دهشة. "يعني إيه؟"
أسامة نظر حوله للحظات، وكأنه يتأكد من أن لا أحد يسمع، ثم انحنى قليلًا وقال: "أنا شفت حد بيخش بيتك وإنت مش موجود."
جمدت ملامح مدحت، ثم انفجر ضاحكًا بسخرية. "بتهزر؟!"
لكن أسامة لم يضحك، بل أكمل بصوت جاد: "مش بهزر يا مدحت. أنا كنت ماشي في الشارع من يومين، وشفت راجل غريب بيقف قدام باب شقتك، وبعدها بلحظات فتح الباب ودخل. أنا كنت هاجي أقولك، بس قلت يمكن حد تعرفه، لحد ما شفت نظرة مراتك لما قلت لها إن عندي حاجة مهمة."
شعر مدحت بقبضة باردة تعتصر صدره. مروة لم تخبره بشيء عن أي شخص غريب، لكنها كانت متوجسة وقلقة منذ فترة. هل يمكن أن يكون هناك شيء لا يعرفه؟ أم أن أسامة يتوهم؟
حاول أن يتمالك نفسه، فسأله بحذر: "ووصفتك للشخص ده؟"
أسامة هز رأسه. "مشفتوش كويس، كان لابس جاكيت أسود وكاب مغطي نص وشه. بس حركة جسمه غريبة، وكأنه بيبص حواليه كل ثانية، كأنه مش عايز حد يشوفه."
ساد الصمت بينهما. مدحت شعر بالغضب، لكنه لم يكن يعرف تجاه من يوجهه. هل كان أسامة يحاول التلاعب به؟ أم أن هناك سرًا في بيته لا يعرفه؟
في تلك الليلة، عاد مدحت إلى المنزل بعقل مشوش، وعندما رأى مروة تحركت بداخله تساؤلات لا تنتهي. لكنها كانت جالسة على الأريكة، تتابع التلفاز بهدوء، كأن كل شيء طبيعي.
"مروة." ناداها بصوت متزن، لكنها التفتت إليه فورًا، وكأنها تشعر بأنه يحمل شيئًا غير عادي.
"فيه حاجة حصلت؟" سألت بقلق.
نظر إليها طويلًا قبل أن يقول: "أنا عايز أعرف... كان فيه حد دخل البيت وإنتِ لوحدك؟"
ارتبكت قليلًا، ثم قالت: "طبعًا لأ! هو إنت شاكك فيا ولا إيه؟"
"مش بشك، بس أسامة قال لي إنه شاف حد داخل بيتنا."
ساد صمت ثقيل. ثم تمتمت مروة بصوت منخفض: "انت بتصدق اسامه ده بعد كل إلى عمله؟