رواية حكاية هند الفصل الرابع 4 بقلم رحيق عمار
4
الدم كان بيفور في عروقي، والغضب مالي صدري، بس كان لازم أهدي وأفكر. أنا مش هسيبهم يتحكموا في حياتي.
قربت من الباب وبدأت أضرب عليه بكل قوتي:
ـ افتحي يا جدتي! انتوا مش من حقكم تحبسوني!
بس طبعًا، ماحدش رد.
رجعت بخطوات تقيلة، وقعدت على طرف السرير. الدنيا كانت بتلف بيا، ودماغي فيها مليون فكرة.
المعلم شحاته! مجرد ذكر اسمه كان كفيل إني أحس بالقرف. راجل كبير في السن، وشهرته مش بريئة خالص، كل الناس عارفة إنه مشغل تجارته في الحرير كغطا لحاجات تانية. يتجوز الستات الصغيرين ويحبسهم في بيته، ماحدش بيسمع عنهم تاني.
قلبي كان بيدق بسرعة، أنا مش ممكن أوافق. مستحيل! ولا حتي اباشر شغل عيلتي البلد كلها بتتكلم عنه كله غلط في غلط مشكوك فيه.
بديت ألف في الأوضة، عيني بتدور على أي مخرج. الشبابيك؟ مقفوله بحديد. الباب؟ أكيد مقفول بمفتاح ماحدش غير جدتي معاها. لكن، استني…
فجأة لمحت حاجة وشي تجمد قدامها.
الحيطة… كان عليه صورة كبيرة لعيلتنا، وأنا صغيرة واقفة جنب أبويا، بس اللي شدني مش صورتي، كان فيه حاجة تانية… حاجة ما كنتش واخدة بالي منها قبل كده.
الصورة كانت متعلقة على حتة في الحيطة شكلها مش طبيعي، زي ما تكون مشدودة شوية…
اتقدمت ببطء، مددت إيدي ولمست طرف الصورة…
ولما شدّيتها...كان فيه فتحة صغيرة في الحيطة، شبه باب سري!
إيه ده؟! عمري ماشوفته قبل كده ولا حد قال لي عليه!
قلبي كان بيدق بسرعة، مددت إيدي وحاولت أفتح الفتحة أكتر… كأنها متقفلة بقالها سنين. وأخيرًا، بعد محاولات، قدرت أزحزحها وظهر قدامي ممر ضيق ومظلم!
بلعت ريقي… الممر ده رايح فين؟ وإزاي موجود في أوضتي وانا معرفش؟
بس ماكانش عندي وقت للأسئلة...دي فرصتي الوحيدة للهرب!
بس قبل ما أخد اي خطوة تانية، سمعت صوت الباب بيتفتح!
بسرعة رجعت الصورة مكانها، ورجعت اقعد علي السرير.
قلبي كان هينط من صدري، خدت نفس سريع وحاولت أتصرف كأني عادية، بس إيدي كانت بتترعش غصب عني. الباب اتفتح ببطء، وطلّت منه مي.
عنيها كانت مليانة قلق، دخلت بسرعة وقفلت الباب وراها.
"هند، انتي كويسة؟"
بصيت لها وأنا بحاول أهدّي نفسي:
- مي، لازم تساعديني أخرج من هنا، مش هفضل قاعدة مستنية مصيري يتحدد على إيدينهم.
مي بصت وراها كأنها بتتأكد إن مافيش حد سامع، وبعدها قربت مني وهمست: "أنا حاولت أتكلم مع أمي، بس انتي عارفة، صوت جدتك هو اللي بيمشي في البيت ده."
ـ مي، أنا مش هبقى ضحية ليهم، مش هقعد هنا لحد ما يرسموا حياتي على مزاجهم، أنا لازم أهرب!
عنيها وسعت بدهشة، همست بصوت مخنوق: "إنتي اتجننتي؟ هتهربي فين؟ البلد كلها عارفة إنك هنا، ولو حد شافك هيرجعك على طول."
قمت من على السرير ووقفت قصادها بكل تصميم: "عندي خطة."
حاولت أسيطر على توتري وأنا ببص لصورة العيلة اللي مخبّية الممر. مقدرتش أقولها عنها، ماكنتش واثقة هي معايا ولا ضدي، مي كان طول عمرها بتوقعني انا وبابا في بعض كانت بتكره حبه ليا وبتغير مني، عشان كده كانت بتكدب عليه كتر واي مشكلة كانت تعملها بتسببها فيا، فقررت أسكت.
مي قربت مني وهمست: "إنتي متأكدة؟ الموضوع خطر، لو حد عَرِف..."
ـ "عارفة، بس ماعنديش خيار تاني، لازم القي طريقة للهرب، يا إما حياتي تخلص هنا."
مي فضلت ساكتة لحظة، كأنها بتفكر، بعدها همست: "طيب، انا عندي خطة كويسة"
بصيت لها بستغراب وقولت:
- قولي بسرعة!
بصتلي مي بتركيز وهي بتجمع كلامها وتقول:
"بكره، لما جدتك تفتح الباب، قوللها أنك موافقة تشتغلي معاهم"
قمت وقفت فجأة وانا بقول بعصبية:
- نعم!! انا مستحيل أشتغل مع دول مستحل لو هيموتوني!
قامت مي ورايا وهي بتحط ايديها علي اكتافي وبتقعدني مكاني تاني:
"اهدي ياهند متخليش حد يسمعنا، لاحسن انا وانتي مش هيطلع علينا شمس، اسمعيني كويس، انتي قولي لها كده وخلاص، عشان تسمحلك تخرجي برا ولما تخرجي سيبي الباقي عليا انا ههربك بنفسي"
قولتلها بخنقة:
ـ بس يامي..
حطت ايديها علي رجلي:
"صدقيني دا الحل الوحيد عشان تخرجي من هنا، فكري كويس لحد بكره، انا همشي بقا وارجع المفتاح مكانه قبل ما جدتك تصحي وتاخد بالها"
بعد ما خرجت مي، استنيت شوية عشان أتأكد إن كل حاجة هادية. انا فعلاً مقدميش غير خطة مي بس قبلها قررت أكتشف الممر، قربت من الصورة تاني، ولمستها بحذر، المرة دي قلبي كان ثابت، ماعنديش وقت للخوف.
بهدوء، زحزحت الصورة ودفعت الفتحة البسيطة اللي في الحيطة… الممر كان ضلمه، ريحته قديمة، زي ريحة التراب المبلول.
بلعت ريقي، وقبل ما أتردد، خطيت أول خطوة جواه.
...يتبع..
#بقلمي
#رحيق_عمار