رواية حكاية هند الفصل السادس 6 بقلم رحيق عمار
6
الأوضة كانت شبه الممر اللي جيت منه، بس كانت أوضح شوية لإن فيها نور خفيف جاي من شق صغير في الجدار. رفعت إيدي وأنا بحاول أحمي عيني من التراب اللي اتحرك في الهوا أول ما دخلت. المكان كان مليان أوراق قديمة، ودفاتر متكومة فوق بعض، شكلها من زمن بعيد.
قلبي كان بيدق بسرعة وأنا بمد إيدي على واحد من الدفاتر. غلافه كان مهري، بس لما فتحته، شفت اسمي مكتوب جوه! مش اسمي بس، كان فيه تواريخ، وأسماء تانية… ناس من العيلة!
فضلت أتصفح بسرعة، وكل صفحة كنت بقلبها كان جسمي بيتجمد أكتر، في ناس انا أول مره اشوفها في العيلة! بس اللي خلاني اتجمد بجد، كان صفحة عليها صورة قديمة، صورة أبيض وأسود، فيها جدي وأبويا… بس معاهم واحد تالت، راجل غريب، وشه مألوف لكن مش قادرة أحدد مين هو. تحت الصورة كان مكتوب تاريخ…بس معرفش دا تاريخ إيه بظبط!
قلبت الصفحة بسرعة، وبدأت أقرأ الملاحظات المكتوبة تحتها يمكن اعرف اي حاجة، بس قبل ما أكمل، سمعت صوت حركة في الغرفة!
قفلت الدفتر بسرعة وحاولت أرجعه مكانه، قلبي كان هيقف من كتر التوتر. الخطوات قربت أكتر، ملحقتش أفكر أو أخد اي خطوة، ظهرت قدامي بنت شابة، عمرها في عمري تقريباً، كان فستانها الرمادي مبهدل وشعرها الأسود الطويل منكوش ومتجعد، ووشها شاحب وأبيض . عينيها كانت واسعة وخايفة، وشفايفها ناشفة زي حد بيموت من العطش. كانت واقفة قدامي بتترعش، وبتبص لي بصدمة كأنها مش مصدقة إني واقفة قدامها.
"إنتِ مين؟!"
أنا نفسي كنت عايزة أسألها نفس السؤال، بس صوتي اتقطع. كنت شايفة على دراعها كدمات واضحة، وشفايفها كانت مجروحة. باين عليها إنها متبهدلة من أيام طويلة من الحبس، ومن شكلها الضعيف، واضح إنهم مش بيدوها أكل كفاية.
"إنتي مش واحدة منهم صح؟" سألتني بصوت مهزوز.
رديت عليها وانا عنيا بتتفحص خوفها:
ـ لا، إنتي إيه اللي جابك هنا؟ مين حبسك؟
عيونها لمعت، وكان باين عليها إنها بتحاول تجمع كلامها بسرعة.
"أنا… أنا مش فاكرة."
حاجبي اترفع بستغراب، وقلبي دق بسرعة.
ـ إزاي مش فاكرة!
حاولت تتحرك، بس واضح إن جسمها كان مرهق جدًا. مسكت في الجدار اللي جمبها وهي بتحاول تتسند عليه، بس رجليها خانتها ووقعت على الأرض . أنا بسرعة قربت منها، حاولت أساعدها، بس وشها كان مليان خوف، وقررت عليا نفس السؤال.
"أنتي مش واحدة منهم… صح؟"
ـ انا اكتر واحدة مستحيل تبقي منهم، صدقيني، انا زي زيك.. محبوسة هنا.
بصت لي بعيون مرهقة، وقالت بصوت واهن:
"تعرفي هما حابسنا هنا لية؟!!"
بصتلها وانا بتنهد وبقول بخنقة:
ـ عايزني ابقي واحدة منهم.
البنت رفعت راسها ببطء، نظرتها كانت مليانة ارتباك، كأنها بتحاول تستوعب كلامي.
"يعني إيه… هما مين أصلاً؟"
كنت مستغربة من سؤالها، بس فجأة بدأت أشك إن ممكن يكون فعلاً مش عندها أي فكرة.
ـ إنتي متعرفيش إنتي محبوسة هنا ليه؟ بقالك قد إيه في المكان ده؟"
البنت قربت شفايفها الناشفة من بعض كأنها بتحاول تفتكر، بس بعد لحظات، لمحت الخوف بيرجع لعنياها. "كل اللي فاكراه إني صحيت هنا… ومحدش قالي أي حاجة. كل يوم في واحدة بتجيب لي شوية أكل، وتخرج من غير ما تنطق بكلمة. أنا حتى مش فاكرة آخر مرة شفت نور الشمس إمتى، بس انا هنا من زمان أوي!"
قلبي وجعني عليها، بس عقلي كان مشغول بحاجة أهم. إزاي تكون مش عارفة أي حاجة عن نفسها؟! ولية أهل البيت سايبين حد محبوس هنا بالشكل ده ولا إيه السبب!
مديت إيدي علشان أساعدها تقف، بس فجأة، لمحت حاجة غريبة… على معصمها كان فيه وشم صغير، عبارة عن دايرة وجواها تلات مثلثات صغيرين في النص، قولتلها باستغراب:
ـ استني… إيه ده؟!
سحبت إيدها بسرعة بخوف، وخبتها ورا ضهرها، كأنها مش عايزاني أشوفه. بس ده خلاني متأكدة إن الموضوع أكبر من مجرد بنت محبوسة.
"الوشم ده… شوفته قبل كده في الأوراق اللي هنا."
البنت بصت لي بتركيز، كأنها لأول مرة تحس إن عندي معلومة ممكن تفيدها.
"إنتِ تقدري تساعديني… مش كده؟"
حاولت أرد عليها، لكن قبل ما أنطق، الباب اللي دخلت منه فجأة اتحرك!
حد كان برا!
..يتبع..
#بقلمي
#رحيق_عمار