رواية حكاية هند الفصل الثاني 2 بقلم رحيق عمار
2
"انا آسفة ياهند إني مقولتش الحقيقة، بس ابوكي مي-ت من يومين."
ـ يعني إيه، انتي بتضحكي عليا، بابا، يا بابا هند حببتك جت.
وفضلت اقولها بصوت عالي وانا صوتي بيترعش، خايفة يطلع كلامها صح، بس لا هي بتضحك عليا، بتعمل فيا مقلب زي ما كانت بتعمل زمان، كانت دايما توقعني في بابا وتقولي بهزر.
ـ انتي بتهزري معايا صح؟! دا مفيهوش هزار يامي، بابا فين، وديني علي اوضته.
وزقتها وبدأت أجري لحد اوضته، بس ملقتهوش فيها!!
ـ فين بابا يامي، ردي بسرعة عليا، فين بابا ؟!!
"إحنا كنا مصدومين زيك كده ومش عارفين نتصرف ازاي، انا اسفة أوي."
وبدأت تعيط..
ـ يعني ايه مش عارفين تتصرفوا، يعني إيه متقوليش
أن ابويا مات، إزاي جالك قلب تعملي فيا كده؟
كنت بقول كده وبدأت الدموع تنزل من عيني وانا بدأت ادخل في حالة انهيار وفضلت اهز في مي و ازعق فيها واضربها وانا الرؤية بتنغمش واحدة واحدة وشايفه مي بتعيط في صمت منغير اي رد فعل لحد ما الرؤية اسودت..
فتحت عيني ببطء، حسيت بدوخة فظيعة ودماغي تقيلة، كنت نايمة على السرير في أوضتي، و لحظة حسيت إنه كان مجرد كابوس وفرحت، بس لما عيني وقعت على مي اللي كانت قاعدة على كرسي جنب السرير وعينيها اللي مليانه دموع، عرفت إن الكابوس كان حقيقة.
حاولت أقوم بس جسمي كان مرهق، قلبي كان بيدق بسرعة، ودموعي نزلت من غير صوت.
ـ مي... بابا فين؟
مي رفعت راسها وبصتلي بعيون مليانة ندم وحزن، بس مكنتش قادرة تتكلم، كأن الكلام تقيل على لسانها.
ـ عايزة أشوفه... دلوقتي حالًا!
"هند... بابا خلاص..."
ـ لااااااااااا!
صوتي كان عالي ومرعب حتى بالنسبة لي، كنت حاسة إني تايهة، ضايعة، مش مستوعبة إن بابا مشي من غير ما اشوفه، من غير ما يسمع صوتي او اسمع انا صوته، من غير ما آخد حضنه للمرة الأخيرة، انا كنت محتاجة حنيته عليا اوي الفترة دي.
حاولت أقوم تاني، بس مي مسكت إيدي برجاء.
"هند، بلاش... إنتي تعبانه ولازم تهدي."
شدّيت إيدي منها بعصبية، وخرجت من الأوضة بسرعة وأنا مش شايفة قدامي غير طريق واحد، طريق لازم أمشيه... لازم أشوف بابا حتى لو كان خلاص راح.
قلبي كان بيدق بسرعة وأنا ماشية في الصالة، لقيت أمي قاعدة وسط العيلة، وشها شاحب وعنيها غرقانة دموع، وعمامي واقفين جنبها في صمت، وعنيهم عليا، وقفت قدامهم وانا بقول:
ـ عايزة أشوفه.
حد من عمامي حاول يمنعني، بس أنا زقيته بعدوانية.
ـ ودوني الترب بتاعته.
مستنتش رد منهم وجريت وفتحت الباب، حسيت بقلبي بيتكسر، كل حاجة حواليّا بقت ضبابية، ورجلي مقدرتش تشيلني أكتر، وقعت على الأرض وأنا ببص علي أمي وعمامي وهما بيفوقوا فيا.
دقايق ومي جت عليا وفي ايديها ماية بسكر وشربتهالي لحد ما بدأت افوق شوية بشوية.
"بطلي عند ياهند، انتي تعبانه لسه، بوعدك لما تصلبي طولك هاخدك ونروح لي."
ـ عشان خاطري يا مي خديني لي دلوقتي، كفاية إني اتأخرت عليه يومين بحالهم، دا أقل حاجة تعملوها عشاني بعد ما خبيتوا عليا، انا لسه حسابي معاكم مخلصش.
مي مسحت دموعها وهزت راسها ببطء، كأنها بتوزن كلامها قبل ما تقوله.
"هند، مش هقدر أخدك دلوقتي."
ـ مي بالله عليكي، انا مش قادرة استنى أكتر، عايزة أشوفه، حتى لو مش هيرد، حتى لو مش هيفتحلي دراعاته زي كل مرة، بس لازم أشوفه، لازم أطمن إنه لسه هنا حتى لو بجسده بس.
بصتلي مي بنفاذ صبر وبعدين بصت لماما، كأنها بتستنجد بيها، بس ماما كانت غرقانة في عالم تاني وسرحانه، كأنها مش سامعة ولا شايفة أي حاجة حواليها.
قمت من مكاني، جسمي كله بيترعش، وكأني بحارب الجاذبية نفسها، مي حاولت تمسكني، بس أنا دفعتها عني.
ـ لو محدش فيكم هيوديني، هروح لوحدي.
اتكلم عمي الكبير وقال:
"ولما انتي بتحبي كده، ليه سبتينا وهربتي، إحنا اعتبرناكي برا العيلة من ساعة ما مشيتي."
رد عليه عمي محمود الصغير:
"سبوها تروح، هي طول عمرها دماغها ناشفة وبتعمل اللي في رأسها، هي عايشة لنفسها مابتشوفش غيرها"
مستنتش اسمع كلام منهم تاني، وطلعت من البيت بخطوات سريعة، كل حاجة كانت ضبابية، الشارع اللي كنت أعرفه كويس بقى كأنه غريب، الناس ماشية حواليا وأنا مش شايفاهم، كل اللي في بالي إنه لازم أوصل، لازم أشوفه، لازم أطلب منه السماح...
وصلت للمقابر، قلبي كان بيدق بعنف، حسيت بخطوات تقيله، كأن الأرض نفسها مش عايزاني أقرب، فضلت ادور عليه لحد ما وقفت قدام تربته، لمست الحجر البارد بأطراف صوابعي المرتعشة، وانهرت على ركبتي.
ـ بابا... أنا هنا، سامحني يا بابا، سامحني إني سبتك زعلان مني، سامحني إني مكنتش موجودة، سامحني على كل لحظة ضيعتها بعيد عنك...
الريح لفحت وشي، وكأنها بترد عليا، وكأني سامعة صوته جوايا، دافي زي ما كان دايماً، حنين زي حضنه اللي كان بيطمني وأنا صغيرة.
دموعي نزلت على الأرض، نزلت على اسمه المحفور على الرخام، وأنا حسيت فجأة بهدوء غريب، كأن الحزن اللي جوايا كان مستني اللحظة دي عشان يهدأ، كأن بابا، حتى وهو مشي، لسه قادر يطبطب عليا.
فضلت قاعدة قدام التربة وقت طويل، مش عارفة الدنيا عدّت إزاي، ولا حسيت ببرودة الليل وهي بتزحف على جسمي. كنت حاسة إن كل حاجة جوايا مكسورة، بس في نفس الوقت، كأن وجودي هنا كان لازم، كأنه كان آخر حاجة ممكن أقدمها لبابا، حتى لو متأخرة.
فجأة، حسيت ب أيد باردة بتتحط على كتفي، التفت بسرعة وقلبي دق، لقيت الست العجوزة اللي شوفتها علي البحر في القاهرة، عينيها حمرا دم وكأنها كانت بتبكي.
"هند..الندم عمره ما هيرجع اللي راح."
قالتها بكل هدوء وهي بطبط علي كتفي وبتتحرك قدامي.
ـ انتي هنا ازاي؟!
"هو مش لوحده يا هند، روحه في كل مكان، جوه قلبك، في ذكرياتك، في كل مرة بتفتكري ضحكته أو كلامه أو حتى عصبيته عليكي."
بصيت لها من غير ما أقدر أتكلم، كلامها كان داخل جوايا بس مش عارفة أصدقه، إزاي حد يفضل معانا وهو خلاص مشي؟
"إحنا كلنا زعلانين يا هند، مش بس انتي، بس الحزن مش هيغير حاجة، اصلبي طولك يابنتي وفتحي عينيك كويس الأيام اللي جاية مش سهله."
..يتبع..
#بقلمي