رواية حكاية هند الفصل العاشر 10 بقلم رحيق عمار


 رواية حكاية هند الفصل العاشر 10 بقلم رحيق عمار


10

"افتكرتي إنتي مين؟!" صوتي طلع بالكاد، مزيج من الصدمة والخوف.


البنت بصت لي بنظرة مليانة ألم، ووقفت مكانها كأنها بتحاول تفهم هي هتبدأ منين، وبعد لحظة صمت، قالت بصوت منخفض:


"أنا زهرة."


إحساس غريب ضربني في صدري. زهرة؟! الاسم دق في دماغي كأنه مش غريب عليا، لكن !


- زهرة مين؟!


رفعت إيدها ببطء وشاورت للصورة اللي كانت في الصندوق، الصورة اللي فيها الراجل الغريب وابويا وجدي..


- إنتي بنت...بلعت ريقي بصعوبة وكملت بصوت مهزوز..

- تعرفي الراجل دا صح؟!


عنيها اتمليت دموع وهي بتأمن علي كلامي براسها، وأنا حسيت بجسمي كله بيتجمد.


"محدش كان بيتكلم عنه، محدش كان بيجيب سيرته، كنت صغيرة وقتها بس فاكرة إنهم قالوا إنه مات...!"


بصت لها وانا برجع شعري لورا وقولت: 

- انا مش فاهمة حاجة الراجل دا إيه علاقته بيكي و بينا!!


قالت لي بصوت مخنوق:


" مش عارفة، كنت صغيرة، ومكنتش فاهمة حاجة، بس كنت عارفة إني محبوسة... وإنه كان ممنوع عليا أخرج... أو حتى أسأل عن بابا."


قولت لها بصدمة:

- بابا!!






عقلي كان بيربط الأحداث ببعضها بسرعة مرعبة، ليه حلمت بالصورة، وليه كل حاجة بتحصل حواليا كأنها بتقولي إن الحقيقة لازم تطلع من الصورة دي والراجل التالت؟!


نظرتي وقعت على الصندوق اللي في إيدي تاني، الأوراق، الصور، والرسالة اللي كانت مكتوبة بخط مهزوز. كأن اللي كتبها كان خايف... أو مستعجل.

أكيد كتبها قبل ما يموت..


بصيت لزهرة، وسألتها بصوت بالكاد طالع مني:


- ليه محدش اتكلم عنك؟ ليه محدش قال إنك كنت هنا؟


زهرة مسحت دموعها، وقالت بصوت ضعيف لكنه واضح:


"لأنهم كانوا خايفين... خايفين من السر اللي بابا عرفه، السر اللي خلاهم يخلصوا منه... واللي خلاهم يحبسوني هنا طول عمري."


حطيت إيدي على بُقي وأنا بحاول أستوعب الكارثة اللي سمعتها.


- يعني هما اللي قتلوه؟!


زهرة بصت لي نظرة كانت خليط بين الرعب والتأكيد، وبعد لحظة صمت، حركت راسها ببطء.


"مش عارفة كل حاجة… بس اللي أنا متأكدة منه، إنه كان لازم يموت، وإنهم قرروا يدفنوا معاه أي حاجة تخصه… بما فيهم أنا."


اتسمرت مكاني، عقلي كان بيحاول يهضم كل كلمة، كل تفصيلة.


- باباكي كان عارف إيه؟!


زهرة بصت للصورة اللي في إيدي وقالت بصوت ضعيف:


"مش عارفة… بس لو كان عارف حاجة عنهم كبيرة اوي كده، ليه سكت؟!"


سؤالها كان زي الطعنة. هو ليه سكت فعلاً؟!


افتكرت الحلم، أبويا وهو بيبكي، وهو بيقول لي "أنقذيها قبل ما تبقي مكانها."


بلعت ريقي بصعوبة، وأنا بحاول أربط الأحداث، بس كان في حاجة ناقصة، حاجة مش مفهومة!


- السر دا… اللي خلى أبوكي يموت…و اللي خلاكي تفضلي محبوسة طول السنين دي… هو إيه بالضبط؟!


زهرة أخدت نفس عميق، ولأول مرة، وهي  كمان مش عارفة كل الحقيقة.


"كل اللي فاكراه… إن بابا كان بيحاول يهرب، وكان معاه حاجة… حاجة كانوا عايزينها، بس معرفش إيه هي."


بصيت للصندوق بسرعة والأوراق والصور... هل السر موجود هنا؟!


مديت إيدي بسرعة وقلبت الورق، كانت في ورقة قديمة، مكتوبة بخط رديء، بس كان في جزء فيها ناقص… كأن حد مسحها عن عمد، فضلت اقلب في الورق لكن مفيش جديد!!


قعدنا في لحظات صمت، كل واحدة فينا بتحاول تربط الأحداث ببعضها، لكن كل مرة كنا بنوصل لطريق مسدود. زي ما يكون السر ده متقفل عليه كويس، ومفيش مفتاح يفتحه بسهولة.


زفرت بضيق ومسحت وشي، وبعدين قلت لها فجأة:


- على فكرة، إنتي لسه مقلتيليش… إزاي خرجتي من الأوضة للممر؟!


الباب مابيفتحش غير من برا وبس، عشان كده استغربت وجودها هنا!!


زهرة اتوترت شوية، وكأنها مكنتش متوقعة السؤال ده. اترددت للحظة، وبعدها قالت بصوت هادي:


"لما انتي خرجتي من عندي اخر مره نسيتي تقفلي الباب وراكي"


خلطت راسي علي جبهتي لما افتكرت إني فعلاً خرجت من عندها وانا سرحانه في أفكاري ونسيت الباب مفتوح فعلاً منغير ما اقفلة بورقة صغيرة لما بدخل عشان اعرف أخرج تاني.


- طيب انتي لازم ترجعي مكانك تاني، إحنا لازم نكمل عشان نوصل للحقيقة دي الطريقة الوحيدة.


بصتلي والدموع بتتجمع في عنيها وخيبة أمل بتظهر علي وشها:


" بس انا ماصدقت قولت دي فرصتي الوحيدة أخيرا جت عشان اطلع من هنا"


قمت وطبطبت علي كتفها وانا بقول:

- انا حاسه بيكي وليكي حق، بس هانت، استحملتي سنين، ومينفعش تخرجي كده وحق السنين دي كله يضيع لازم تاخدي حقك وتعرفي كل حاجة.


كلامي كان منطقي بنسبالها، هزت رأسها ليا باستسلام…وطاوعتني ودخلت الغرفة تاني


وانا رجعت أوضتي، وأنا غرقانة في التفكير. الأيام بدأت تعدي ببطء، وكل يوم كنت بحاول أوصل لأي حاجة تربط الحكايات ببعضها، لكن مفيش فايدة.


كنت بحاول أكلم عمر، لكن مكنش بيرد خالص.


وفي نفس التوقيت، كل يوم كانت جدتي بتدخل عليا وتحطلي الأكل وهي بتقول نفس الجملة:


"فكرتي ولا لسه؟!"


وكل مرة كنت بقولها:

- مش موافقة.






ف كانت بتبص لي بنظرة غريبة قبل ما تخرج وتقفل الباب وراها.


بس الأكل مكنش بيبقى ليَّ… كنت باخده وأروح لزهرة، نقعد سوا نحاول نفك طلاسم الماضي، وكل ليلة كنت بحاول أخليها تفتكر أكتر، لكن عقلها كان زي ضباب… كل حاجة فيه مشوشة.


عدى في  إلا سبوع ست أيام، ومعدش فاضل ليا هنا غير يوم واحد بس


النهاردة كان آخر يوم، وجدتي دخلت بنفس النظرة اللي بتخليني أحس إن في حاجة كبيرة هتحصل. 


كل اللي كان شاغل تفكيري وسط كل دا أن مي من ساعة ما جدتي شافتها معايا ومظهرتش تاني بعدها!!


- مي فين؟!

سألت جدتي بقلق، لكن وشها كان جامد كأنها مسمعتش السؤال او بتتجاهله عمد.


- مي فين يا ستي؟!

صوتي كان بيعلى، لكن نظرتها فضلت ثابته، كأنها مش ناوية ترد.


حسيت برجلي بتترعش، عقلي بدأ يجيب أسوأ الاحتمالات، ممكن يكونوا عملوا فيها حاجة!


قعدت على الأرض وأنا حاسة بإحساس مرعب بيسري في جسمي. مي اختفت… واختفت فجأة!


بس انا معنديش وقت اضعية، انهاردة خلاص هيتحدد مصيري، وهيجوزوني المعلم شحاته وانا لسه موصلتش لاي حاجة ولا عارفة ابدأ منين وازاي.


خدت بعضي ورجعت لزهرة في المخزن، دخلت عليها لقتها نايمة علي الأرض وباصه للسقف، بكل هدوء دخلت نمت جمبها وانا كمان بصيت للسقف، لحظات صمت وبعدين قطعته وهي بتقول بحيرة:


"هند… لو السر ده خطير للدرجة دي… ليه سابوني عايشة؟!"


السؤال ده خلاني أبص لها بقلق… الحقيقة، مكنتش عارفة الإجابة، ولا قدرت القي أي رد.


- مش عارفة، انا مش عارفة اي حاجة، حاسه أن نفوخي هينفجر من التفكير، وخلاص مبقتش هعرف اجيلك هنا تاني، انهاردة آخر يوم هتشوفيني فيه.


اتنفضت فجأة من مكانها وقامت لي والدموع علي طرف عنيها:


"لا، عشان خاطري ياهند ماتسبنيش هنا لوحدي، انا ماصدقت لقيت حد يساعدني"


كانت بتقولها وعيونها بدمع وصتها مبحوح.


قمت من مكاني بيأس وانا بتنهد:


- مش بايدي والله، هجوزوني بالعافية ياما اشتغل معاهم...


ولسه ملحقتش اكمل كلامي ولقيت الباب بيتفتح علينا فجأة...وملحقتس اخد اي رد فعل غير الصدمة


مي وعمر!!


...يتبع...

#بقلمي 

#رحيق_عمار


                الفصل الحادي عشر من هنا 

تعليقات
تطبيق روايات
حمل تطبيق روايات من هنا



×